القاضي عبد الجبار الهمذاني
68
شرح الأصول الخمسة
كل زمن ، ولما وجب كونه مجتمعا أو مفترقا الآن وجب ذلك في كل زمن وفي كل مكان . فوجب لو جاز خلوه عنها في كل حال من الأحوال أن يجوز خلوه عنها الآن بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو ، وهذا يوجب لو أخبرنا مخبر بأن في أقصى بلاد العالم جسما ليس بمجتمع ولا مفترق ولا متحرك ولا ساكن أن نصدقه ، والعلوم خلافه ، فثبت بهذا أن الجسم لا يخلو عن الأكوان في وقت من الأوقات . الدلالة على أن الجسم لا يخلو من الأكوان وتحرير هذه الجملة هو أن الجسم لا بد من أن يكون متحيزا عند الوجود ، ولا يكون متحيزا إلا وهو كائن ، ولا يكون كائنا إلا بكون . فإن قيل : لم قلتم إن الجسم يجب تحيزه عند الوجود ؟ قلنا : لأن تحيزه لما هو عليه في ذاته بشرط الوجود . فإن قيل : ولم قلتم ذلك ؟ قيل له : لا يخلو ، إما أن يكون متحيزا لما هو عليه في ذاته على ما نقوله ، أو يكون متحيزا لمعنى ، أو بالفعل . لا يجوز أن يكون متحيزا لمعنى ، لأن ذلك المعنى لا يوجب تحيزه إلا إذا اختص به ، ولا يختص به إلا إذا حله ، ولا يحله إلا وهو متحيز . ولو لم يتحيز إلا إذا حله ذلك المعنى لوقف كل واحد من الأمرين على صاحبه وذلك محال . ولا يجوز أن يكون متحيزا بالفاعل ، وإلا كان يصح من الفاعل أن يوجد ذات الجوهر ولا يجعله متحيزا لأن هذا هو الواجب فيما يتعلق بالفاعل ، ألا ترى أن الوجود لما تعلق بالفاعل وقف عليه ، حتى أن شيئا أوجده وأن شيئا لم يوجده ، بل كان يصح منه أن يوجده فيجعله سوادا بدلا من تحيزه ، وأن يجمع بين هاتين الصفتين فيجعله سوادا متحيزا ، وذلك يقتضي أنه لو طرأ عليه ضد أن ينفيه من وجه دون وجه . وأحد ما يدل على ذلك ، وهو أن كل جسمين إما أن يكون بينهما بون ومسافة أو لا يكون ، فإن كان بينهما بون ومسافة كانا مفترقين ، وإن لم يكن كانا مجتمعين . فقد صح أن الجسم لم ينفك من هذه المعاني . وأحد ما يدل على ذلك ، هو أن الجسم لو خلا عن الاجتماع والافتراق لكان السابق إليه لا يخلو ، إما الاجتماع ، أو الافتراق .